وأخيرا، يقطع الإتصال تماما بين التوأمين. يقترب عدد من أفراد الطاقم الجراحي لرفع الجسدين الصغيرين برفق وإبعاد أحدهما عن الآخر. لم تعد
البنتان متصلتين.
يصف دوناواي تلك اللحظة بأنها "رائعة".
للمرة
الأولى في سنتين هي عمرهما لا يعتمد بقاء الواحدة من الأختين على الأخرى، ما ييسر على طاقم التخدير تنظيم ضربات القلب لكلتيهما وكذلك ضغط الدم
والإشارات الحيوية الأخرى.
ولكن الانفصال هو الفصل الأول من جراحة اليوم، إذ يلزم أن يشكل الفريق رأسين مستديرين مما تبقى من
الجمجمة الأنبوبية المشتركة بينما يأملون أن يكتسي الرأسان بالكامل بالجلد
الذي زرعوه.
يلزم الآن لكل من البنتين صالة عمليات خاصة بها. سيبقى نصف الطاقم الجراحي مع مروة تحت إمرة جيلاني وأونغ، بينما يقود
داناواي النصف الثاني بغرفة مقابِلة لترميم جمجمة صفا.
يستخدم غشاء بلاستيكي خاص لتغطية الجزء المكشوف أعلى رأسها ليتسنى نقلها بأمان.
يقول داناواي: "كانت لحظة مؤثرة جدا. لوقت طويل سعينا للوصول بالبنتين لهذه المرحلة وقد اجتازتا الكثير من العمليات بنجاح".
أما جيلاني فيعلق قائلا: "فصلنا التوأمين وعلينا الآن أن نرمم رأسيهما".
وعلى مدار أربعة أشهر من تسليط ضغط خفيف، نجح الجراحون في القيام بأغلب المهمة حتى ولو ظل رأسا البنتين أطول قليلا من جهة الخلف.
الآن لم يبق إلا الضغط على المخين اللينين نحو سنتيمترين للدخول بالكامل في
تجويف كل جمجمة منفصلة.
يبدأ "فريق صفا" و"فريق مروة" العمل الترميمي الصعب المتمثل في اعادة بناء الجمجمتين.
يقول داناواي، صاحب الخبرة الممتدة 23 عاما في عمليات التجميل وجراحات الرأس والوجه: "قطعة لي وقطعة لك، وهكذا"، وهو يضع بيديه عددا من قطع الجمجمة
الواحدة فوق الأخرى.
يتعين تقسيم كل قطعة لجزءين لتشكيل ما يكفي من العظام لتغطية الرأسين.
يقول
داناواي: "تتكون الجمجمة من ثلاث طبقات، الطبقة الداخلية والطبقة الخارجية
من العظم الصلب السميك، أما الطبقة الوسطى فهشة قابلة للتقسيم، ورغم أن سمك هذه القطع لا يتجاوز نصف السمك الطبيعي إلا أننا معنيون بتغطية الرأسين بالكامل تقريبا بالعظام".
وبينما يُغلَف مخا البنتين بالغشاء الطبيعي المحكم، يتم ترقيع
شرائح العظام لتلتئم معا فوق الرأسين المستديرين. وتثبت القطع في مكانها
بخياطة مؤقتة خاصة لتشكل ما يشبه أرخبيل جزر من شظايا العظام.
ينثر الأطباء خلايا عظمية في الفراغات بين القِطع لتنمو في الأشهر المقبلة وتلتحم عظام الجمجمتين بالكامل.
المهمة
الأخيرة هي بسط الجلد فوق الجمجمتين المرممتين. هناك ما يكفي بالكاد من الجلد. يهز دوناواي رأسه متعجبا: "إنه ليوم مدهش، أليس كذلك؟".
في
الحادية والنصف صباحا، أي بعد 17 ساعة في صالة العمليات، يلتقي الجراحان
لقاء مفعما بالمشاعر مع أسرة البنتين، وقد ظلوا بالمستشفى طوال اليوم
متلهفين لسماع الأخبار.
يقول جيلاني باللغة الأردية لزينب إن ابنتيها فصلتا أخيرا.
لا تتمالك الأم مشاعرها وتقبل يديه ويدي داناواي
وبينما تمكث صفا ومروة في المستشفى في لندن للنقاهة، يتجه جيلاني وداناواي لأيرلندا لزيارة ريتال وريتاج التوأمين اللذين كانتا
ملتصقتين بالرأس قبل فصلهما عام 2011 حين كان عمرهما 11 شهرا.
يشعر
الطبيبان بالسعادة لرؤية البنتين لأول مرة في منزل الأسرة ببلدة كافان
الأيرلندية، حيث يعمل والدهما عبد المجيد طبيب ولادة، وزوجته إيناس الحاصلة
على إجازة العمل كطبيبة أمراض نفسية من السودان.
ترتدي ريتال وريتاج فستانين أحدهما أبيض والآخر وردي وستبلغان التاسعة من العمر في سبتمبر/أيلول وهما مفعمتان بالنشاط.
ولا يمكن الاستدلال على أن رأسيهما كانا يوما متصلين إلا
بانبعاج قليل فيهما. تمد ريتاج يدها لمصافحة الجراحين كما يفعل الكبار دون
أن تسعفها الكلمات لوصف ما تشعر به، وهو الأمر الغريب عليها كما يقول والداها، بينما توجه ريتال نظرها إلى الضيفين من وراء والدها.
كانت
عملية الاختين ريتال وريتاج بين الأنجح لتوائم متصلين بالرأس، وقد ولدتا
في السودان عام 2010 وجمعتهما جمجمة واحدة طويلة، ولكن بخلاف صفا ومروة لم
يكن مخاهما مشوهين.
وصلت ريتال وريتاج لمستشفى غريت أورموند ستريت بعمر سبعة أشهر وكانت حالتهما متردية، كان قلب ريتال بحالة هبوط
للجهد الزائد عليه، ودون عملية جراحية كان موت البنتين متوقعا.
جرت عملية فصل هاتين الطفلتين على أربع مراحل خلال ثلاثة أشهر ولم تمض أسابيع قليلة إلا وتحسنتا بوضوح ونقلتا إلى عنبر عام.
تعاني ريتال من درجة من درجات التوحد وتذهب لمدرسة متخصصة بينما تتطور ريتال بشكل عادي بالنسبة لعمرها الدراسي.
يقول عبد المجيد مسترخيا وفخورا بابنتيه وهما تتقافزان عليه: "لا أستطيع أن أبدأ بالتعبير عما أشعر به من أننا نجلس هنا برفقة بنتين
توأمين بصحة جيدة. كنت آمل الوصول لتلك اللحظة، وما أسعد حياتي بها".
أما
إيناس فهي بانتظار مولود جديد. تقول: "إنه طفل واحد هذه المرة، وليس توأمين. كان الحمل السابق مختلفا. لم أكن أعرف إنهما ستولدان حيتين. كانت
سنة صعبة.
كان اللقاء بالنسبة للجراحَين عاطفيا. يقول
دوناواي "إن زيارة البنتين في مسكنهما ورؤيتهما مستقرين محيطهما، تذهبان للمدرسة وتستمتعان بحياتهما مع أسرتهما، تعد جائزة حقيقية، فهي تخبرنا عن أهمية تلك الجراحة النادرة".
ريتال وريتاج دليل على نجاح
عملية فصل توأم ملتصق بالرأس كلما كان العمر غضا وقدرة الجسم على النمو
أفضل. ولكن العملية باهظة ويصعب تحمل تكاليفها، وهو ما خبرته أسرة صفا ومروة.
كانت أول مرة تحدث فيها جيلاني للأسرة حينما كانت
الطفلتان في عمر الثلاثة أشهر، ولكن استغرق الأمر 16 شهرا لإيجاد من يتحمل التكاليف. ويعتقد جيلاني أن التأخير لم يكن في صالح البنتين.
يقول: "لو أجرينا العملية في وقت مبكر لكانت النتيجة أفضل.
"ستعانيان
من بعض القصور على المدى الطويل، نتوقع مشكلات في الحركة والوظائف
الذهنية، ولكن الأم تؤكد أن الوضع بالتأكيد سيكون أفضل مما لو لم نمنحهما
الفرصة".
ولدى إجراء مثل هذه العمليات غير العادية، يفكر الجراحون مليا ما إذا كانوا
فعلوا الشيء الصحيح. ولكن دوناواي يعرف أن الحياة كان من الممكن أن تغدو
عسيرة للتوأمين إن لم يفصلا.
ويقول "ربما كان من الصعب توفير العناية الكافية لجعلهما تتمتعان باللياقة والصحة المطلوبتين. من
الواضح أنهما ستواجهان بعض المتاعب ولكني أعتقد بأن النتيجة النهائية ستكون
إيجابية إجمالا. فلديهما فرصة التمتع بعيش سعيد الآن".